محمد بن عمر التونسي

368

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

أن يكتم سرّها . أما هي فاشتعلت غيظا من ابائه ، وعزمت على الانتقام منه . فأتت زوجها ذات يوم وقالت : انى جئتك بأمر جلل لا يحسن كشفه ، فأقسم لي أنك لا تبوح به لأحد . فأقسم لها ، فقالت : ان شقيقك أحمد يراودني عن نفسي ، وأنا أنتهره وأزجره وهو لا ينزجر . فعظم هذا الخبر جدا على علىّ واغتم لأجله غما شديدا ، ولكنه لم يصدق ما قالته له امرأته على علاته ، لأنه كان يحب أخاه محبة فائقة ، ويثق بعفافه وشهامته ، فبقى مرتابا في الأمر . وكان أحمد لما رأى أن امرأة أخيه استاءت منه جعل يتلطف لها ويترضاها ، فرأى أخوه منه ذلك فقوى الريب فيه وصدق ما قالته له زوجته ، فاسودت الدنيا في عينيه وكره أخاه وزوجته والأرض التي كان نازلا فيها . فأمر أن تقوض خيامهم ورحلوا من تلك ( 112 ) الأرض . وتأخر في الطريق مع أخيه وهو يفكر بالذي يفعله ، فأبت نفسه أن يكاشفه بسر زوجته ، ولم يطاوعه قلبه على قتله . فقر رأيه أن يعقره برجله فيسمه بوسم يؤنبه ما دام حيا . فاستل سيفه وفاجأه بضربة في رجله اليمنى فعرقبه وتركه يسيل منه الدم ولحق بقومه . وأدرك أحمد سفيان سبب غدر أخيه به ولكنه كان من الأنفة على جانب عظيم فلم يفه ببنت شفة ، بل صبر على الضيم ، وجلس ينتظر الموت والدم ينزف من عقر رجله . ولهذا سمى أحمد سفيان المعقور . ثم علم به عبيده وخاصته ، فاجتمعوا حوله وعالجوه حتى برئ جرحه ، فسار بهم بطريق الصحراء مهاجرا بلاد تونس حتى أتى جبل مرة من أعمال دارفور . وكان في ذلك الجبل أمة من شبه السود يقال لهم « الفور » عليهم ملك منهم يسمى : شاو دورشيت . فكان هذا الملك عريقا في الهمجية ، ولكنه كان كريم الطبع حسن النقد . فلما علم بقدوم أحمد أحضره لديه ،